محمد بن جرير الطبري
142
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وجوبه . أو يكون وجب عليه له ولغيره ، فنصيبه الذي وجب له من ذلك غير جائز أن يكون عليه لما وصفنا . وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب عليه ما هو لغيره وما هو لغيره بعض النسك ، وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجب عليه بعض النسك لا النسك كله . قالوا : وفي إلزام الله إياه النسك تاما ما يبين عن فساد هذا القول . وعلة من قال له أن يأكل من ذلك أكل نسك الفدية أن الله أوجب على المفتدي نسكا ، والنسك في معاني الأَضاحي وذلك هو ذبح ما يجزي في الأَضاحي من الأَزواج الثمانية . قالوا : ولم يأمر الله بدفعه إلى المساكين . قالوا : فإذا ذبح فقد نسك ، وفعل ما أمره الله ، وله حينئذ الأَكل منه ، والصدقة منه بما شاء ، وإطعام ما أحب منه من أحب ، كما له ذلك في أضحيته . والذي نقول به في ذلك أكل نسك الفدية : أن الله أوجب على المفتدي نسكا إن اختار التكفير بالنسك ، ولن يخلو الواجب عليه في ذلك من أن يكون ذبحه دون غيره ، أو ذبحه والتصدق به . فإن كان الواجب عليه في ذلك ذبحه ، فالواجب أن يكون إذا ذبح نسكا فقد أدى ما عليه ، وإن أكل جميعه ولم يطعم مسكينا منه شيئا ، وذلك مالا نعلم أحدا من أهل العلم قاله ، أو يكون الواجب عليه ذبحه والصدقة به ؛ فإن كان ذلك عليه ، فغير جائز له أكل ما عليه أن يتصدق به ، كما لو لزمته زكاة في ماله لم يكن له أن يأكل منها ، بل كان عليه أن يعطيها أهلها الذين جعلها الله لهم . ففي إجماعهم على أن ما ألزمه الله من ذلك فإنما ألزمه لغيره ، دلالة واضحة على حكم ما اختلفوا فيه من غيره . ومعنى النسك : الذبح لله في لغة العرب ، يقال : نسك فلان لله نسيكة ، بمعنى : ذبح لله ذبيحة ينسكها نسكا . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قال : النسك : أن يذبح شاة . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا أَمِنْتُمْ . اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : فإذا برأتم من مرضكم الذي أحصركم عن حجكم أو عمرتكم . ذكر من قال ذلك : حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، قال : ثنا عبد الله بن نمير ، عن الأَعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة : فَإِذا أَمِنْتُمْ فإذا برأتم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة في قوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ يقول : فإذا أمنت حين تحصر إذا أمنت من كسرك من وجعك ، فعليك أن تأتي البيت فيكون لك متعة ، فلا تحل حتى تأتي البيت . وقال آخرون : معنى ذلك : فإذا أمنتم من وجع خوفكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ لتعلموا أن القوم كانوا خائفين يومئذ . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَإِذا أَمِنْتُمْ قال : إذا أمن من خوفه ، وبرأ من مرضه . وهذا القول قال : إذا أمن من خوفه أشبه بتأويل الآية ، لأَن الأَمن هو خلاف الخوف ، لا خلاف المرض ، إلا أن يكون مرضا مخوفا منه الهلاك ، فيقال : فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته ، وذلك معنى بعيد . وإنما قلنا : إن معناه الخوف من العدو ، لأَن هذه الآيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الحديبية وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدو خائفون ، فعرفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الحج ، وما الذي عليهم إذا هم أمنوا من ذلك ، فزال عنهم خوفهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ يعني بذلك جل ثناؤه : التمتع بالعمرة إلى الحج فإن أحصرتم أيها المؤمنون ، فما استيسر من الهدي ، فإذا أمنتم فزال عنكم خوفكم من عدوكم أو هلاككم من مرضكم فتمتعتم بعمرتكم إلى حجكم ، فعليكم ما استيسر من الهدي . ثم اختلف أهل التأويل في صفة التمتع الذي عنى الله بهذه الآية ، التمتع بالعمرة إلى الحج فقال بعضهم : هو أن يحصره خوف العدو ، وهو محرم بالحج أو مرض أو عائق من العلل حتى يفوته الحج ، فيقدم مكة ، فيخرج من إحرامه بعمل عمرة ، ثم يحل فيستمتع بإحلاله من إحرامه ذلك إلى السنة المستقبلة ، ثم يحج ويهدي ، فيكون متمتعا بالإِحلال من لدن يحل من إحرامه الأَول إلى إحرامه الثاني من القابل . ذكر من قال ذلك : حدثنا عمران بن موسى البصري ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا إسحاق بن سويد ، قال : سمعت ابن الزبير وهو يخطب ، وهو يقول : يا أيها الناس ، والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ، إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحصره عدو أو مرض أو كسر أو يحبسه أمر حتى تذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة ، فيتمتع بحله إلى العام القابل ثم يحج ويهدي هديا ، فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج . حدثنا الحسن بن يحيى قال :